مراجعة
سيرة جين المقدسي ” جدتي وأمي وأنا” روت فيها جين حياتها الشخصية وحياة أمها و جدتها. كانت تتنقل بين قصص كفاحهن وزواجهن والعمل الذي كان منوطا بهن بناء على ظروف الحياة والاستقرار لكل واحدة. ما بين ثلاثة أجيال عشن في القرن العشرين كانت المرأة بينها كأنها تعيش ذات القصة وذات الأفكار وذات الفرص الضائعة المتخيلة التي تجعل كل امرأة لا تتخيل إلا أنها فقدت شيئا باختيارها لشيء، وأن حياتها كان من الممكن أن تعاش بشكل أفضل
” علموا جدتي أن مكان النساء في الحياة، كان يقع في حيزٍ بديلٍ كثيف البناء والنظام ومنفصل تماما عن العالم”
جين تزوجت بعد تخرجها من الجامعة من قريبها كان زواجا سعيدا عاشت فيه حياة ميسورة، جزء من حياتها بعد الزواج قضته في المهجر حيث درست الجامعة في أمريكا وعمل زوجها وظيفة مرموقة هناك. ثم عاشت في بيروت أوقاتها الباقية تعلّم في الجامعة الأميركية ببيروت.
سيرتها الذاتية كانت مغرقة في التفاصيل التي ترتبط بجين المولودة في القدس والتي تربت ما بين القاهرة وبيروت وتصف هذه المذكرات الطبيعة التي مهد بها المستعمر الاحتلال عندما فتح المدارس الإنجليزية، علم الشباب الفلسطيني وفي مستعمراته الاخرى الثقافة الإنجليزية، وعندما حان الوقت كان من السهل استغلال أجيال من الشباب في العمل لصالحه أو في نفيهم، للعمل بعيدا في دوله الكبيرة والبعيدة.
” أخذت الواجبات المنزلية ومسؤوليتي كأم تخلق دوائر ضيقة حولي توضح الحدود المادية الملموسة المتقلصة لحياتي”
ما لفت انتباهي في هذه السيرة هو أن جين امرأة عاشت وشهدت كل ظروف النساء، في عملهن وفي بطالتهن. لقد رأت أمها التي صنعت عائلة سعيدة كبيرة كيف كانت تتحسر على تركها التعليم الجامعي من أجل الزواج. ورأت جدتها تكافح الحياة بعد رحيل زوجها، ثم رأت نفسها، تدرس وتتخرج ثم تكتشف أنها ربة منزل أكثر من أي دور آخر في حياتها، عمّق هذا الدور غُربتها، وافتقداها للدور الاجتماعي المنوطِ بالأسرة الذي سببته الغربة هذا الدور الاجتماعي الذي كما تقول: “يخفف من حدة الهم والتكاليف المنزلية على ربات المنازل”.
في أمريكا قضت عشر سنوات أنجبت فيها ثلاثة أبناء وعادت امرأة ناقمة على البيت والتكاليف المنزلية. تقارن حياتها بحياة شريكها، الرجل الذي تفرغ لحياته المهنية ووجد من يهيأ له كل الظروف المواتية للنجاح. كشفت جين بكل صدقها عن هذه المشاعر التي لاتبوح بها النساء عادة، حتى اعترافها بأنها وهي في بيتها، وبين أطفالها كانت تشعر بالوحدة التامة.
“كانت أمي تدعوني لأن أخفف من الجهد الذي أبذله وأن أتعلم التمتع بالراحة وأن أُقلل من طموحاتي”
في وصفها لحياة جدتها، كانت جزء كبير منها يصف حياة امرأة عصامية فقدت زوجها واضطرت لتربية أبناءها لوحدها، وإن بمساعدة أهلها، رأت ماهو مستوى التضامن الذي قد يوفره المجتمع لامرأة تعيل ولا تعمل. تلوم نفسها كيف استطعت أن أرى هذه المرأة العصامية المقاومة بكل هذه العادية طوال حياتها. تقول: جدتي كنت أراها امرأة كبيرة لاقصة فريدة لها ولا حياة، إلا عندما كبرت وتعلمت عدت أسأل أمي عن حياتها، بعدما رحلت، لماذا رأيتها بكل هذه العادية؟ لماذا لم أسألها قط عن حياتها؟ تسأل جين.
” على الرغم من احتفائي وزهوي بكل ماحققته على صعيد الحياة المنزلية، وافتخاري بجمال أطفالي والدفء العائلي واطمئناني بوجود أشقائي، فإني ظللت واعية بمرور الزمن “بلاعودة” ومايصاحبه من تقليص للإمكانات المتاحة لي”
تعبر جين عن شعور عميق في داخلها ربما تشترك معها فيه نساء أخريات كثر، عن أنها لم تقدم أفضل مالديها، وأنها تحملت مسؤوليات كبيرة لوحدها ماكان ينبغي أن تكون على عاتقها وحدها. لكنك وأنت تقرأ تسأل جين سؤالا واحدا: مالذي تريدينه بالضبط من حياتك؟ لايمكن للقارئ أن يعرف
” كنت أشعر بأن زوجي حي يكبر يتطور ويمضي إلى الأمام بينما أنا فقدت فرصتي في الحياة والنمو”
وعندما عادت جين إلى بيروت، وقررت أن تعمل، ووجدت فرصتها في التدريس الجامعي ببيروت، تقول لم يتوقف شعوري بالإرهاق، والاستنزاف “شعرت بأنني بعد فترة من العمل خضعت للاستغلال” لأنها كما تصف أضافت أعباءً أخرى إلى أعبائها المنزلية. الأعمال المنزلية والمسؤوليات الاجتماعية التي تضاعفت برجوعها لوطنها وانهماكها في العمل الأكاديمي إضافة لكل هذا.
عندما قرأت هذه السيرة، رأيت القلق الذي يرافق النساء منذ الشباب، وفي رحلة الحياة والزواج والإنجاب والعمل والمسؤولية بكل أنواعها، تذكرت سيرة الكاتبة جورج صاند، التي عندما سألت ماهي صنعتك. قالت ” الحرية صنعتي” وعندما يتحدثون عن عجزها تقول: نعم عاجزة عن التملق، عاجزة عن المذلة، عاجزة عن الدناءة عاجزة الخوف من الرجال”
يبدو أننا نحمل، نحن النساء، مع مانحمله في الحياة، ندما على فرصنا الضائعة أو البديلة أو تلك التي لم نستطع اختيارها لأنفسنا، لكننا لم نكن حقا بكل ذلك الإصرار عليها.