“أحزم متاعي وأعانق أصدقائي، وأقلع في البحر، وأستيقظ أخيرا في نابلي، وهناك إلى جواري أجد الحقيقة الصارمة، أجد نفسي الحزينة“

الأسفار جنة العبيط ورحلاتنا الأولى تبين لنا ما بين الأماكن من تشابه، أحزم متاعي وأعانق أصدقائي، وأقلع في البحر، وأستيقظ أخيرا في نابلي، وهناك إلى جواري أجد الحقيقة الصارمة، أجد نفسي الحزينة، التي فررت منها هي هي لم تذعن ولم ترضخ. إنني أقصد الفاتيكان والقصور وأتظاهر بأني أثمل بالمناظر وما تثيره، ولكني لست كذلك، فإن ماردي يرافقني أني ذهبت.

“نبني بيوتنا بذوق أجنبي، ونزين رفوفنا بأدوات الزينة الغريبة عَنَّا وآراؤنا، وأذواقنا، وكفاياتنا، تخضع وتتبع الماضي والبعيد“

بَيْد أن سَورة السفر ليست إلا عرضًا لاختلال أبعد مدى يؤثر في الأعمال العقلية جميعا. فالذهن متشرد، ونظامنا في التعليم يربي القلق. ترحل عقولنا حينما تضطر أجسامنا إلى البقاء في الدار. إننا نقلد ، وليس التقليد سوى رحلة من رحلات العقل. ونبني بيوتنا بذوق أجنبي، ونزين رفوفنا بأدوات الزينة الغريبة عَنَّا وآراؤنا، وأذواقنا، وكفاياتنا، تخضع وتتبع الماضي والبعيد. لقد أبدعت الروح الفنون حيثما ترعرعت هذه الفنون. ولم يبحث الفنان عن نموذجه إلا في عقله. كان يطبق فكره على الشيء الذي يصنعه والشروط التي يراعيها. وما حاجتنا إلى تقليد النموذج الدوري أو الغوطي؟ إن الجمال وراحة الفكر وعظمته وغرابة التعبير قريبة منا قربها من أي إنسان آخر. وإذا درس الفنان الأمريكي يحدوه الأمل والحب – الشيء الذي يريد صنعه تماما، وأخذ في اعتباره المناخ والتربة وطول النهار وحاجات الناس وتقاليد الحكومة وشكلها؛ لأنشأ بيتا تجد فيه هذه الأشياء كلها لنفسها مكانا ملائما لها ويرضى به كذلك الذوق والعاطفة.

لوحة للفنان العراقي سيروان باران

اعتمد على نفسك، ولا تقلد مطلقا. إنك تستطيع في كل لحظة أن تمد موهبتك بالقوى المتجمعة من ثقافة حياة بأسرها، ولكن ذكاء غيرك الذي تستعيره لا تملك إلا نصفه امتلاكا – مزعزع الأصول. إن ذلك الذي يستطيع الفرد أن يتقنه أكثر من إتقانه أي شيء سواه لا يستطيع أن يعلمه إياه إلا بارئه. لا يعرف أحد ما هو ، ولا يستطيع أن يعرف، حتى يعرضه صاحبه أين ذلك الأستاذ الذي كان يستطيع أن يعلم شكسبير؟ وأين الأستاذ الذي كان يمكنه أن يعلم فرانكلن أو واشنطن أو بيكون أو نيوتن؟ كل رجل عظيم فريد في نوعه. إن آراء سكبيو الخاصة هي ذلك الجانب بعينه الذي لم يكن يستطيع استعارته. وإنك لن تخلق شكسبير بدراسة شكسبير. إن أنت فعلت ما عُيّن لك لم تكن مغاليا في أملك أو في إقدامك. لك في هذه اللحظة رسالة جريئة عظيمة كرسالة إزميل فدياس الضخم أو مسطار المصريين، أو قلم موسى أو دانتي، ولكنها تختلف عن كل هؤلاء. إن الروح الفنية الفصيحة ذات اللسان الذي له ألف شق، لا يمكن أن ترضى بتكرار نفسها.

ليس عندي اعتراض سخيف على الطواف بالكرة الأرضية، في سبيل الفن والدراسة وفعل الخير، إن كان المرء يتوطن أوًلا، ولا يرحل إلى الخارج آملا أن يجد شيئًا أعظم مما يعرف. من يرحل للتسلية، أو لكي يظفر بشيء لا يحمله بين جنبيه إنما يرحل بعيدا عن نفسه، ويشيخ حتى في شبابه بين الأشياء العتيقة. إن إرادته وعقله تشيخ وتتحطم في طيبة وبلمريا، مثلهما إنه يضم أطلالا إلى أطلال

“إن أولئك الذين جعلوا بلادهم إنجلترا وإيطاليا واليونان – مقدسة في الخيال، إنما فعلوا ذلك بثباتهم في أمكنتهم كمحور الأرض“

إن خرافة السفر التي تقدس الرحلة إلى إيطاليا وإنجلترا ومصر تستمد جاذبيتها لجميع الأمريكيين المهذبين من نقص ثقافتهم الذاتية. إن أولئك الذين جعلوا بلادهم إنجلترا وإيطاليا واليونان – مقدسة في الخيال، إنما فعلوا ذلك بثباتهم في أمكنتهم كمحور الأرض. وإننا في ساعات الرجولة نحس أن واجبنا أن نثبت في مكاننا الروح لا تسافر والرجل العاقل يبقى في بيته، وعندما تستدعيه ضروراته وواجباته في أية مناسبة إلى مغادرة بيته أو إلى ارتياد بلاد أجنبية، فإنه برغم ذلك يكون في بيته، ويجعل الناس يحسون بما يبدو على ملامحه من تعبير أنه إنما جاء ليبشر بالحكمة والفضيلة، وأنه يزور المدائن والرجال كما يزورها السيد لا كما يزورها المتطفل أو التابع.

ليس عندي اعتراض سخيف على الطواف بالكرة الأرضية، في سبيل الفن والدراسة وفعل الخير، إن كان المرء يتوطن أولاً، ولا يرحل إلى الخارج آملا أن يجد شيئًا أعظم مما يعرف. من يرحل للتسلية، أو لكي يظفر بشيء لا يحمله بين جنبيه إنما يرحل بعيدًا عن نفسه، ويشيخ حتى في شبابه بين الأشياء العتيقة. إن إرادته وعقله تشيخ وتتحطم في طيبة وبلميرا، مثلهما. إنه يضم أطلالاً إلى أطلال.

نصوص مقتبسة من كتاب ” مقالات رالف امرسون” متوفرة مجانا على مكتبة هنداوي من هنا