طه حسين ناقدًا.

ألف طه حسين كتابا في نقد المتنبي، الشاعر الذي وصفه الثعالبي بأنه ” نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه” ذلك هو أبو الطيب المتنبي.  

ليس بالأمر الجديد أن نسمع أو نقرأ في مدح  وشكر المتنبي وفي الإعجاب بقدرته وفنه وذكاءه. لكنه من النادر أن نجد من يتجرأ لأن يتناول المتنبي بعين النقد. رغم ذلك، لم يكن طه حسين أول من تناول شعر المتنبي بالنقد فقد سبقه كثير. كان أقربهم من زمن المتنبي هو الأديب ابن عباد الذي ألف كتابا أسماه ” الكشف عن مساوئ شعر المتنبي” عنوان حاد اللهجة بالمقارنة مع عنوان كتاب طه حسين. جاء في مقدمة ابن عباد: ” وكنت ذاكرت من يتوسم الأدب في الأشعار وقائليها والمجودين فيها، فسألني عن المتنبي فقلت له: إنه بعيد المرمى في شعره، كثير الإصابة في نظمه، إلا أنه ربما يأتي بالفقرة الغراء مشفوعة بالكلمة العوراء!”

ننقل في هذه التدوينة شواهد من الكتاب الذي استقرأ فيه طه حسين رحلة المتنبي والتأثيرات التي لعبت دورا في بناء رحلته الشعرية، شواهد منتقاة من نقد طه حسين لبعض أبيات المتنبي فكرة أو عبارة. ولا بد من التنبيه على أن طه حسين في كتابه المذكور لم يقتصر على النقد القاسي لعدد لا بأس به من قصائد وأبيات المتنبي إنما حوى أيضا  الكثير من الإشادات والإشارات إلى فرادة وإبداع المتنبي أيضا.

أترككم مع هذه الفقرات النقدية التي انتقيتها من كتاب ” مع المتنبي ” لطه حسين: :  

  • في ظاهرة نجدها عند جماعة من الشعراء ولم يسلم منها المتنبي، لا في طوره الأول ولا بعض الأطوار الأخرى التي تليه، وهي تكلف القوافي التي لاتخلو من عسر والتي لم يكن المطبوعون من الشعراء المتقدمين يتكلفونها، فكافيته في مدح البحتري، وذاليته في مدح مساور بن محمد الرومي، تدلان على أن الفتى كان يأخذ نفسه بشيء من الشدة ليظهر شيئا من البراعة في اصطناع القوافي، والقدرة على استهلالها. والمتنبي مضطر بحكم الجهد إلى مثل هذا التكلف، لكنه سيمضي فيه وسيستجيزه، ولعله كان يحس شيئا من الناس فيأبى عناده إلا أن يغيظ مخاصميه بالإلحاح فيما يكرهون. ومادام النحو يجيز له هذا فليس عليه بأس من الإيغال فيه. وكذلك ينتقل المتنبي من التكلف إلى التعقيد، ومن التعقيد الذي تفرضه الضرورة إلى التعقيد الذي يصبح مذهبا من مذاهب الشعر وفنا من فنون الأداء، مثل المتنبي في ذلك مثل الفرزدق الذي يرى المعاظلة وسيلة من وسائل الآداء الشعري.
  • 2-  لقد بكيت على الشباب ولامني        مسودة ولماء وجهي رونق

حذرا عليه قبل يوم فراقـــــــه        حتى لكدت بماء وجهي أشرق

اقرأ هذه الأبيات، أرأيت مافيها من حزن! ألحظت البيت الأول منها كيف يمثل اطمئنان الشاعر إلى هؤلاء الذين يتحدث إليهم؟ لأنهم بنو أبيه ليسوا مُضريين ولا عجما؟ أرأيت أنه يسجل أن القحطانية أهل منازل ينعب فيها غراب البين أبدا، فالهجرة من طبعهم والغربة مفروضة عليهم ؟ ثم أرأيت كيف مضى الشاعر في هذه الشكوى مفلسا في سذاجة توشك أن تكون عامية؟ بل هي أشبه بالوعظ منها بالفلسفة؟ ولكن الذي ينبغي أن نفكر فيه هو أن هذه الفلسفة الساذجة هي أصل لهذه الشجرة التي ستنمو و تمتد أغصانها حتى تملأ شعر المتنبي مواعظ وحكما وأمثالا.

  • لم يخلق الرحمن مثل محمد        أحدًا وظني أنه لا يخلق

من قصيدته التي مطلعها ” أرق على أرق “و قالها في مدح بني أوس وجاء فيها مبالغا كدأبه، مرددا ماقاله الناس في المدح، أحب أن تقف عند هذا البيت لترى مافيه من المبالغة الفاحشة التي لاتصدر عن الفن الخالص أكثر مما تصدر عن فساد الرأي الديني عند الفتى، وتأثره بهذه القرمطية التي تتيح للناس أو لبعضهم على الأقل من الرأي والقول والعمل بما لم يكن مستباحا.

  • هَذي بَرَزتِ لَنا فَهُجتِ رَسيسا            ثُمَّ اِنثَنَيتِ وَما شَفَيتِ نَسيسا

          وَجَعَلتِ حَظّي مِنكِ حَظّي في             الكَرى وَتَرَكتِني لِلفَرقَدَينِ جَليسا

          قَطَّعتِ ذَيّاكِ الخُمارَ بِسَكرَةٍ                وَأَدَرتِ مِن خَمرِ الفِراقِ كُؤوسا

اقرأ في هذه الأبيات التي قدمها الشارع بين يدي المدح لترى التكلف في أبشع صوره، والتعمل في أشنع مظاهره، ولنرى كيف ينتهي الشاعر الفتي أحيانا من السخف إلى مالايطاق! فالكلام هنا فارغ ولكنه محتمل آخر الأمر. فإذا أردت سخف الأطفال فانظر إلى قوله:

إن كنت ظاعنة فإن مدامعي                 تكفي مزادكم وتروي العيس

أترى هذه الدموع التي يسفحها المتنبي، فإذا هي من الغزارة بحيث يستطيع القوم أن يأخذوا منها ما يملأ مزادهم ليشربوا في أثناء السفر، وما يكفي لري الإبل في أثناء السفر أيضا.

ولكن المتنبي لم يسأل نفسه أتصلح دموعه لشرب صاحبته الحسناء؟ أهي من العذوبة بحيث تلائم هذا الجسم الغض البض، وتبعث فيه الجمال والحياة؟ على أن ظن المتنبي بصاحبته ليس حسنا, فانظر إلى قوله:

حاشى لمثلك ان تكون بخيلة            ولمثل وجهك أن يكون عبوسًا

ولمثل وصلك أن يكون ممنعا           ولمثل نيلك أن يكون خسيسًا

ولست أعرف بأي أمرأة أراد المتنبي أن يشبب في هذين البيتين، وما أرى إلا أنه كان يشبب بمن لا يحسن التشبيب بها من النساء، فالمرأة التي ترتفع عن البخل، ويرتفع وصلها عن التمنع ليست خليقة بالشعر إلا حين يقصد هجائها. ولكن المتنبي لايقف عند مثل هذا التفكير، بل لايكره أن ينقض هذين البيتين، فيصف صاحبته بالدل الذي يمنعها من التكلم والخفر الذي يمنعها من أن تميس. فيقول:

خود جنت بيني وبين عواذلي               حربًا وغادرت الفؤاد وطيسا

بيضاء يمنعها تكلم دلًّهـــــا                 تيها ويمنعها الحياء تميسا

  • أبقى زريقٌ للثغور محمدا.           أبقى نفيس للنفيس نفيسا

فانظر إلى هذه النفنفة، أو إلى هذه الفسفسة، أو إلى هذه النسنسة التي تأتي من تكرار النفيس ثلاث مرات في شطر واحد. واعذر محمد بن زريق إذا ضاق بصاحبه المتنبي أولا وبهذا التكرار ثانيا. وبما سيأتي من السخف ثالثا، فلم يعط المتنبي إلا  عشرة دراهم، ولم يزده إلا بعد أن شفع إليه الشافعون وزاد المتنبي في المدح.  ومن المهم أن هذه القصيدة هي هذه الأبيات التي تظهر المبالغة القرمطية فيها أبشع مظهر، لا من الناحية الدينية وحدها، بل من الناحية الفنية أيضا.

  • لو كان علمك بالإله مقسما.     في الناس مابعث الإله رسولا

مع أن القصيدة التي ورد فيها البيت تعتبر من آيات المتنبي، ولا سيما القسم الوصفي منها. إلا أن فيها سخفا ورطته فيه المبالغة وردته إلى بعض ماكان يهذي به في شبابه مما ينحرف عن الدين في غير روية ولاتفكير ولاغناء فسلفي. فقد يحتمل من الشاعر أو المفكر أن ينحرف عما يألف الناس وعما يحبون ويؤثرون حين يدعوه إلى ذلك لون من الجمال أو يغريه بذلك فن من فنون التفكير أو رأي من الآراء الفسلفية فأما أن يتجاوز المقصود وينحرف عن المألوف لا لشيء إلا ليزيد في تملق ممدوحه. ويزيد حظه من الجائزة، فهذا هو الصغار الذي لاترضاه إلا النفس الصغيرة.

  •  أتراها لكثرة العشاق              تحسب الدمع خلقة في المآقي

في هذا البيت مظهر من جمال تبدو فيه صنعة أو تكلف، ولكن اقرأ مابعده فسترى تكلفا لايطاق:

       كيف ترثي التي كل جفن                  راءها غير جفنها غير راقي

 وما أرى إلا أنك تضيق مثلي بهذا التكلف المرذول الذي يظهر في هذا اللفظ المعقد الرث كأنه نسج العنكبوت، ثم يقول:

أنت منا فتنت نفسك لكنـ           ك عوفيت من ضنى واشتياق

ولم يكفه مامضى من سخف حتى أمعن في السخف الجديد، فيجعل صاحبته تعشق نفسها ولكنها لاتشكو ألم العشق، لأنها ظافرة من نفسها بما تريد من الوصال!

يجدر بنا أن نختم بحديث الجرجاني في كتابه ” الوساطة بين المتنبي وخصومه: ” وما زلت أرى أهل الأدب – منذ ألحقتني الرغبة بجملتهم، ووصلت العناية فيما بيني وبينهم- في أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي فئتين: من مطنب في تقريظه، منقطع إليه بجملته، منحط في هواه بلسانه وقلبه، يلتقي مناقبه إذا ذكرت بالتعظيم، ويشيع محاسنه إذا حكيت بالتفخيم، ويعجب ويعيد ويكرر, ويميل على من عابه بالزراية والتقصير، ويتناول من ينتقصه بالاستحقار والتجهيل، فإذا عثر على بيت مختل النظام أو نبِه إلى على لفظ ناقص عن التمام التزم من نُصرة خطئه، وتحسين زللــه، ما يزيله عن موقف المعتذر ويتجاوز به مقام المنتصر. وعائب يروم إزالته عن رتبته، فلم يسلم له فضله، ويحاول حطّه عن منزلةٍ بوأها إياه أدبه، فهو يجتهد في إخفاء فضائله، وإظهار معايبه، وتتبع سقطاته، وإذاعة غفلاته.

وكلا الفريقين إما ظالم له أو للأدب فيه؛ وكما أن الانتصار جانب من العدل لا يسده الاعتذار؛ فكذلك الاعتذار جانب هو أولى به من الانتصار، ومن لم يفرق بينهما وقفت به الملامة بين تفريط المقصر، وإشراف المفرط، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، ةأقام بين حديث فصلا. وليس يطالب البشر بما ليس في طبع البشر ولا يلتمس عند آدمي إلا ما كان في طبيعة بني آدم؛ وإذا كانت الخليقة مبينة على السهو ممزوجة بالنسيان، فاستسقاط من عز حاله حيف. والتحامل على من وجه إليه ظلم.

وللفضل آثار ظاهرة، وللتقدم شواهد صادقة، فمتى وجدت تلك الآثار، وشوهدت هذه الشواهد فصاحبها فاضل متقدم، فإن عثر له بعد على زلة، ووجدت به بعد الإحسان هفوة، انتحل له عذر صادق، أو رخصة سائغة، فإن أعوز قيل: زلة عالم، وقل من خلا منها، وأي الرجال المهذبُ؟ ولولا هذه الحكومة لبطل التفضيل ولزال الجرح ولم يكن لقولنا فاضل معنى يوجد أبدا، ولم نسم به إذا أردنا حقيقة أحداً، وأي عالم سمعت به ولم يزلّ ولم يغلط؟ أو شاعر انتهى إليك ذكره ولم يهف أو يسقط؟”.