يحب القراء الكتب، يرتبطون بها، يقدسون طقوس اختيارها، شرائها ، يتحدثون عن المكتبات كمكانٍ فاتن ووجهة ساحرة. لكن هل يحب القارئ أو الكاتب أن يبيع الكتب؟ أو أن يكون مسؤولا عن مكتبة؟ 

ربما استحضر كل قارئ، عندما زار مكتبة ما أنه : البائع أو الأمين. تخيل لو أن وقته بالكامل يقضيه في المكتبة ماذا سيكون شعوره؟ وكيف ستكون أوقاته ثرية ؟ و بمجرد أن نتحدث عن أمين المكتبة يحضر في المخيلة القارئ النهم، الكاتب الإبداعي الذي ارتبط اسمه بالمكتبات وكان رغم فقده لبصره ملازما لها. خورخي لويس بورخيس الذي له تجربته الغنية داخل المكتبات وبين أرففها حيث قضى جل عمره : قارئا، ناقدا، كاتبا. تجربة بورخيس ربما تعجب القراء الذي يتخيلون أن كل قارئ أو مطلع أو شخص يحب المعرفة سيعجبه أن يقضي جل يومه في المكتبة .. يحرس أو يبيع أو يهتم بالكتب ! بورخيس أحب عمله في المكتبة بل وخرج من تجربته هذه مقولته الشهيرة ” لا أتخيل الجنة إلا مكتبة كبيرة ” أن تكون الجنة الموعودة هي “مكتبة كبيرة “! أي حب للكتب قد يوصل قارئ ما إلى مرحلة بورخيس ! 

في جانب آخر لدينا روائي شهير، شهير جدا. هو ” جورج أورويل “. أورويل كان مهتما بأن يجرب  العمل أمين مكتبة، أو بائعا للكتب لكنه خلص إلى أنها مهنة لا تناسبه وأنه بينما هو ” يبيع الكتب، فقد حبه للكتب” إذ يقول:  ” السبب الحقيقي لنفوري من أن أكون في حرفة الكتب طوال الحياة هو أنني بينما كنت هناك فقدت حبي للكتب. بائع الكتب عليه قول الأكاذيب حلو الكتب. وهذا يدفعه للشعور بالجفاء تجاهها. وماهو أسوأ من ذلك هو حقيقة أنه يزيل عنها الغبار وينقلها ذهابا وإيابا بشكل مستمر” 

” حالما بدأ- بدأ القارئ-  بالعمل في متجر للكتب ستتوقف عن شراء الكتب عند رؤيتها مكومة، خمسة وعشرة آلاف كل مرة، كانت الكتب مملة وحتى مثيرة للغثيان قليلا”. يتحدث أيضا أورويل عن طلبات الشراء السخيفة، الإلتقاء بالناس التي لا تقرأ بشكل جيد، الذين يبحثون عن كتب رخيصة أو لاتستحق العناء.. يتحدث أورويل عن ندرة الأشخاص المولعين بالكتب حقا! 

بيني وبين نفسي أتساءل: فيما لو كنت بائعة كتب، أبيعها وأحصد من ورائها لقمة عيشي .. هل سأفضل أن أنصح القراء وأقدم لهم التوصيات الجيدة التي لا تعنى بالجانب المادي؟ هل سأكون حيادية في عرض رأيي حول كتب لا تستحق الاقتناء؟ أم سأفضل أن يشتري القارئ مابدا له وماسيدفعه سيكون الأهم ؟

وأما لو كنت أمين مكتبة، مكتبة عامة أو خاصة .. مليئة زاخرة .. هل سأشعر بالامتنان لعدد الكتب الذي لا تتطلب قراءته أي عناء؟ تكلفة شراء ؟ وقت مقتطع من انشغالات يومية ؟ هل سأحافظ على الرغبة بالقراءة في ظل عدد الكتب الكثير المتراكم أمام عيني طوال الوقت؟ 

بين قارئين وكاتبين، أفكر ويفكر أي قارئ : هل سأكون سعيدا فيما لو كنت حارس، بائع أو أمين مكتبة؟