سؤالين من حوار
مدخل
ألف باء دولوز، كتاب يضم محاورات قامت بها كلير بارنت تلميذة الفيلسوف الفرنسي دولوز. كان دولوز قد اشترط ألا تذاع هذه المحاورات ولا تنشر إلا بعد وفاته. لفت نظري سؤالين في محاورة للفيلسوف : يُسأل فيها دولوز عن “واسعي الثقافة” ولماذا لا يعتبر نفسه منهم
المحاورة: أنت شخص يصف نفسه بأنه ليس ” واسع الثقافة” أعني تقول أنك تقرأ، تذهب إلى دور السينما، تراقب الأشياء لتكتسب معرفة معينة، شيئا تحتاجه من أجل مشروع معين، جارٍ تكون في سيرورة تطويره. لكن، في نفس الوقت، فإنك شخص يخرج كل سبت، ليذهب إلى معرض فني، إلى فيلم، في المجال الثقافي الواسع… يتولد لدى المرء الإنطباع بأن لديك نوع من الممارسة، جهدا باتجاه الثقافة، تمنحه ولديك ممارسة ثقافية، أعني، أنك تخرج، تبذل جهدا في ممارسة ثقافية منهجية تهدف إلى تطوير نفسك ثقافيا. ورغم ذلك أكرر تزعم أنك لست “واسع الثقافة” على الإطلاق! فكيف توضح هذه المفارقة الصغيرة؟
دولوز: أود أن أقول لك في الحقيقة أنني في الحقيقة لا أخبر نفسي بأني مثقف! ولا أنني واسع الثقافة” لسبب بسيط أنني حين أرى شخصا:” واسع الثقافة” يصيبني الرعب! ليس بفعل الإعجاب بالضرورة، رغم إعجابي بهم من منظورات معينة وعدم إعجابي بهم على الإطلاق من منظورات أخرى. لكنني أرتعب فحسب من شخص واسع الثقافة. وهذا واضح تماما بالنسبة للناس الواسعي الثقافة. إنه نوع من المعرفة مجموع مخيف من المعرفة في كل شيء! يرى المرء ذلك كثيرا مع المثقفين فهم يعرفون كل شيء. حسنا، ربما لا، لكن لديهم معلومات عن كل شيء. يعرفون تاريخ إيطاليا خلال عصر النهضة، يعرفون جغرافيا القطب الشمالي، يعرفون القائمة بأكملها. يعرفون كل شيء و يمكنهم الحديث عن كل شيء. الأمر مثير للقرف. وهكذا، حين أقول أنني لست ،اسع الثقافة ولا مثقفا، أعني شيئا بالغ البساطة أنني ليست لدي” معرفة احتياطية”. على الأقل ليست ثمة مشكلة، فعند موتي، لا معنى للبحث عما تتركه لنشره. لا شيء، لاشيء! لأنني ليس لدي احتياطيات، ليست لدي مخزونات، لا معرفة مختزنة. وكلما أتعلمه أتعلمه من أجل مهمة بعينها. وفور إنجازها، أنساه على الفور. بحيث أنني لو توجب علي، بعدها بعشر سنوات – وهذا ما يمنحني بهجة غامرة – لو توجب علي الانخراط في شيء قريب من، أو مباشرة ضمن نفس الموضوع فسوف يكون علي أن أبدأ من جديد، من الصفر، باستثناء حالات نادرة معينة، سبينوزا مثلا، فهو في قلبي ولا أنساه، إنه قلبي وليس عقلي وفيما عدا ذلك لماذا إذا لا أعجب بهذه “المعرفة المخيفة” بهؤلاء الناس الذين يتحدثون.
المحاورة: هل هذه المعرفة نوع من التبحر؟ أم مجرد رأي في كل موضوع؟
دولوز: لا، ليست تبحرا. إنه يعرفون كيف يتحدثون. إنهم أولا سافروا كثيرا، سافروا في الجغرافيا، وفي التاريخ ولكنهم يعرفون كيف يتحدثون عن كل شيء. وقد سمعتهم في التلفزيون، الأمر مخيف! لقد سمعت جيدا حيث أنني مفعم بالإعجاب بهم. يمكنني حتى أن أقول ذلك. أناس مثل إيكو أو (امبرتو ايكو) الأمر مذهل. تنطلقين مثل الضغط على زر. وهو بدوره يعرف الأمر برمته. لايمكنني القول بأنني أحسد هذا تماما، أنا فقط مفزوع من ذلك. لكنني لا أحسده على الإطلاق. إلى مدى معين. أتساءل: مم تتكون الثقافة؟ وأقول لنفسي: إنها تتكون من الكثير من الكلام، لايمكنني أن أتمالك نفسي خصوصا لأنني توقفت عن التدريس، لأنني تقاعدت! أدرك أن الكلام قذر بعض الشيء، قذر بعض الشيء. بينما الكتابة نظيفة. الكتابة نظيفة والكلام قذر. إنه قذر لأنه يعني أن يكون المرء مغويا. لم استطع أبدا تحمل حضور الندوات منذ أن كنت في المدرسة، منذ أن كنت بالغ الصغر. ولا أسافر كثيرا فصحتي تمنعني من ذلك، لكن المثقفين الذين يسافرون بمثابة نكتة، إنهم لايسافرون، إنهم يتجولون كي يتكلموا! يمضون من مكان يتكلمون فيه ليذهبوا إلى مكان آخر سيتكلمون فيه حتى خلال الوجبات، يتحدثون مع المثقفين المحليين لا يكفون أبدا عن الكلام وأنا لا أتحمل الكلام. ومن ثم في رأيي حيث أن الثقافة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالكلام. بهذا المعنى فأنا أكره الثقافة! لا أحتملها!.